الشيخ محمد تقي التستري ( الشوشتري )

183

بهج الصباغة في شرح نهج البلاغة

قال النقيب : ومما جرّأ عمر على بيعة أبي بكر ، والعدول عن علي عليه السلام مع ما كان يسمعه من النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم في أمره أنهّ أنكر مرارا على النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم أمورا اعتمدها فلم ينكر عليه النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم إنكاره بل رجع في كثير منها إليه ، وأشار عليه بأمور كثيرة نزل القرآن فيها بموافقته . فأطمعه ذلك في الإقدام على اعتماد كثير من الأمور الّتي كان يرى فيها المصلحة بما هي خلاف النص ، وذلك نحو انكاره في الصلاة على عبد اللّه بن أبيّ المنافق ، وإنكاره فداء أسارى بدر ، وإنكاره عليه تبرّج نسائه للناس ، وإنكاره قضيّة الحديبية ، وإنكاره أمان العباس لأبي سفيان بن حرب ، وإنكاره واقعة أبي حذيفة بن عتبة ، وإنكاره أمره بالنداء « من قال لا إله إلّا اللّه دخل الجنّة » وإنكاره أمر النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم بذبح النواضح ، وإنكاره على النساء بحضرة النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم وآله هيبتهن له دون النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم إلى غير ذلك من أمور كثيرة يشتمل عليها كتب الحديث ، ولو لم يكن إلّا إنكاره قول النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم في مرضه « آتوني بدواة وكتاب أكتب لكم ما لا تضلّون بعدي » وقوله ما قال وسكوت النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم عنه لكفى . وأعجب الأشياء أنه قال ذلك اليوم : « حسبنا كتاب اللّه » فافترق الحاضرون من المسلمين في الدار وبعضهم يقول : « القول ما قال النبي » وبعضهم يقول : « القول ما قال عمر » فقال النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلم وقد كثر اللغط وعلت الأصوات : « قوموا عنّي فما ينبغي لنبي ان يكون عنده هذا التنازع » فهل بقي للنبوّة مزيّة أو فضل إذا كان الاختلاف وقع بين القولين ، ومثّل المسلمون بينهما فرجّح قوم هذا وقوم هذا أفليس ذلك دالّا على انّ القوم سوّوا بينه وبين عمر وجعلوا القولين مسألة خلاف ذهب كل فريق إلى نصرة واحد منهما كما يختلف اثنان من عرض المسلمين في بعض الأحكام فينصر قوم هذا وينصر ذاك آخرون . فمن بلغت قوتّه وهمتّه إلى هذا كيف ينكر منه أن يبايع أبا بكر